تقول في نفسك: ( تباً..هل بانتظاري العدم وحسب؟.. ما معنى حياتي بعد اليوم؟..من أين أتيت ولماذا أنا هنا وإلى أين سأذهب؟
كل شيء ينهار، الأديان من صنع البشر وما أنا إلا كائن من ضمن الثديات في الطبيعة، عالمي بدون هوية وفي رأسي يتخبط ألف سؤال...
يالحجم الخديعة .. ياللاحتيال المتقن كيف سرق من عمري سنين وباعها للوهم...
ليتني ظللتُ على إيماني ولم اكتشف الحقيقة، كنتُ أجد سنداً لحياتي، في الضراء ألجأ إليه وفي السراء أشكره، فماذا أفعل الآن في هذه الوحدة القاتلة أمام دنيا متلاطمة وظروف متشابكة وأفكار متضاربة.
عملي وعبادتي صارت هباء، الجزاء والنعيم الذي كنتُ أنتظره ويصبرني على مشاكل دنياي لم يعد موجوداً والعقاب الذي لطالما خشيته وحاولت تفاديه لن يكون هناك وسيفلت كثيرون ممن أراهم يستحقون أقسى عقاب.
تعودتُ أن يكون معياري هو الدين كرافد أساسي للحكم والتقييم، لم يكن يمكنني أن أحدد الصواب من الخطأ إلا بعد أن أعرض ذلك على نصوص الدين ومقاصد الشريعة ولا أدري كيف أميز الآن بعد أن ضاع كل شيء في غياهب الأساطير.
توقفت عن العبادة بأي صورة كمريض اكتشف أن الدواء زائف وأخذت أرقب يومي باحثاً عن شيء يتغير، ألجمت فكري عن مخاطبة أي كائنات خفية، أتابع عيشي وأنظر في عيون الناس لأجدهم يمارسون الدين بالتعود لكنهم يُسيّرون معاشهم وفقاً للأسباب المادية فقط، تظل الحياة سائرة كما كانت بالضبط والتغير حدث هنا في الداخل ليقول لي أن التخلي عن تصديق ما يفتقر للدليل العلمي والمنطقي هو الوضع الطبيعي لعمل العقل السوي.
يا أيها الإله انقذني، فإن كنتَ هناك بأي معنى افعل شيئاً، لازال في نفسي خشية مترسبة منك ولكنني لم أعد أمتلك وسيلة لمخاطبتك وشراء رضاك فكل ما روجوه باسمك اتضح أنه كذبة كبيرة..
فهل تتدخل أم ستظل على صمتك وغموضك واختفائك؟، أريد بر أمان يمكن أن أصل إليه؟، لقد شكلتك في عقلي تلك الخرافات فأنت من ضمنها ما لم تجد حلاً.
كل تفصيلة تشير إلى صحة دين تمسكت بها وتمعنتها آملاً أن تصدق ولكنها مع الأسف تؤكد ذات النتيجة، لقد قمت بما عليّ من بحث عن الحقيقة وهذا ما أوصلني إليه عقلي الذي تدعي أنك خالقه، افعل شيئاً أو ابق صامتاً مختفياً إلى الأبد فوجودك مثل عدمك، وإذا كنت صنيعة الإنسان فإن لا أحد يمكنه نفيك إلا الإنسان ذاته.
رحلة قطعتها البشرية لتخلق ما تعبد فبدأت بالطوطم المرئي والملوس وانتهت إلى تخبئته وراء الكون، كيف يمكنني أن أؤدي عبادة لكيان أدركت أنه صنيعة بشرية بل أشك في وجوده من الأصل، لا صلاة ولا دعاء ولا تسبيح وثناء..لا شيء من ذلك يجدي...
أنا متعب وتائه ولا أجد حولي إلا الفراغ...)
هذه حالة طبيعية يمر بها من يخلع رداء التبعية ويدخل مرحلة النضج العقلي، وهي تنتج هذه المعاناة والارتباك والتخبط لأنها تقاوم رصيد كبير من المعلومات الدينية المخزنة والمختومة بختم الجودة والمصداقية عبر سنوات طويلة.
سيطول هذا اليوم أو يقصر حسب طبيعتك ومدى قوة إيمانك السابق واستعدادك للتكيف مع المتغيرات، لهذا عليك أن تواصل تغذية نفسك بقراءات مختلفة سواء ذات طبيعة إلحادية أو إيمانية، لم تعد تعترف يقيناً بأي كائنات خفية تزعم أنها تدرك مصلحتك أكثر منك ولا مرجع لك الآن إلا عقلك، والمسألة ليست صعبة، ضع قاعدة واحدة صالحة للتطبيق على جميع الأفكار التي تُعرض عليك بشكل محموم لتسد ما تشعر أنه فراغ في داخلك، إنها قاعدة العلم والمنطق، فما اتفق مع ذلك اقبله واسمح له بتشكيل قناعاتك والباقي مرفوض.
اليوم الخامس: الاستقرار
تبدأ في الارتياح لفكرة كونك بدون دين وأن مبادئك وقيمك ومعاييرك في الحياة أصبحت ناتجة عن تقييمك العقلي والمعرفي وحده وبدون أي تأثيرات من أناس ماتوا منذ قرون ولازالوا يحكمون البعض إلى اليوم، تتنفس هواءً صحياً وتشعر بحريتك كإنسان، ستجد كثيرين مثلك وأن ما أجهدت نفسك لاكتشافه قد توصل إليه كثيرون قبلك لدرجة أن ذلك لديهم بديهيات! لم تعد تؤمن بأي أفكار عنصرية ناجمة عن تعصب ديني أو تعاليم بائدة وتسلك حياتك بثقتك الذاتية ودون اعتماد على قدرات خفية، وأصبح هناك انسجام مميز بين عقلك وواقعك.
إذا كنت تعيش في وسط غير متدين وضمن مجتمع علماني يؤمن بحرية الاعتقاد واللا اعتقاد فسوف تمارس حياتك كالمعتاد ولن تعاني في إعلان عبورك وقبول الآخرين لذلك، أما إذا كنتَ تعيش في منطقتنا فإن هذا التغير بحاجة إلى شيء من الكياسة لتمريره تبعاً لمدى شدة التدين وتجذر المد الديني، خصوصاً أن هذا الأخير يكون في بعض دول المنطقة مستفحلاً بحيث يرفض الآخر الذي ينبذ عقيدة البيئة إلى درجة التهديد والإيذاء!
في هذه الحالة لستَ بحاجة إلى الكتمان إلى درجة النفاق لكن يمكنك أن تبدو متشككاً ويمكنك أيضاً الانتقاد وتبيان ما لا تتفق معه في الدين عن طريق نقد السلوكيات وابداء السلبيات وعدم تطبيق العبادات دون أن تعلن لادينيتك الصريحة، ويكفيك القدر الذي يكفل لك ممارسة حياتك الخاصة وفق ما ترتأيه أنت لا الآخرين حتى لو أثار ذلك بعض استيئاهم وربما عدائيتهم.
اليوم السادس: البحث عن الله
الآن يحق لك طرح السؤال الذي تعجلت بطرحه فور أن بدأت هذه الرحلة، فبعد أن أصبح عقلك حراً من قيد الدين ومفاهيمه البالية يمكنك أن تسأل عن البداية، وطبقاً للقاعدة التي أتفقنا عليها فنحن بحاجة إلى العلم والمنطق وحدهما لتحديد المسألة.
العلم يقول أن عمر الكون 14 مليار سنة كاملة وهذا الزمن الهائل لا يمكن للعقل البشري المعتاد أن يحيط بمداه فكيف بما حصل خلاله، والمنطق يقول أن بداية الكون هي بداية البداية (الأصل) لأن الأبعاد المعروفة ومن ضمنها الزمن تكونت بوجود الكون فلا يوجد "قبل" الكون بدون زمن.
انتبه..عقلك بشري نشأ معتاداً على الأبعاد فهو يولد الأفكار طبقاً لما اكتسبه من خبرات ولا يستطيع أن يولد فكرة متماسكة خارج هذه الأبعاد التي اعتاد عليها، لهذا يجب أن تدفع عقلك للترقي إلى أبعد مما اعتاد ما دمتَ تسأل أسئلة تتخطى المعتاد.
لقد تمكنا من الإغراق في الزمن السحيق للكون باستخدام التلسكوبات العملاقة التي أتاحت للعين البشرية السفر في ماضي الكون، وهذا أثبت أن التطور الزمني وحده هو ما أدى إلى هذا التعقيد الذي نرى، بدءً من الإنفجار العظيم إلى قدرتنا البشرية على تخيل الأفكار المجردة، عناصر أجسادنا هي ذاتها العناصر التي تتكون منها النجوم، مجرتنا تكونت من انفجار نجم سابق هائل بقوة مليار شمس كالتي تدعي الأديان أن الله خلقها من أجلنا، أرضنا صارت ملقاة في زاوية المجرة دون أن تتميز بشيء يدعو القوى العظيمة للإهتمام بها، هوائها مليء بغازات سامة حارة مستعرة مثل النجم الذي هي شظية من انفجاره، وظلت هكذا سنين طويلة مليونية أخرى لا يبدو أن ورائها إلهاً يمكنه أن يهيء ما يريد دون أن يخضع للضروات الكيميائية منتظراً الأرض حتى تبرد!
يقال لك أن الإلحاد والعلوم تدعي أن الحياة بدأت على الأرض صدفة وهذه مع الأسف أكذوبة كبرى رائجة، فكل ما ستطلع عليه من دراسات تبحث في نشأة الحياة لن تجد كلمة صدفة بمعناها العشوائي، بل ستجد كلمات كالذرات والجزيئات والبيئة المناسبة وأن المادة يمكنها أن تنتج الحياة في ظل الظروف المناسبة والزمن الكافي وليس بأي صدفة.
ستفاجيء أن العلم أمكنه إثبات ذلك في المختبر بأن استخرج الأحماض الأمينية وهي مركبات الحياة الأساسية من دورق زجاجي حاكى في داخله ظروف الأرض الأولى تلك فتكونت مركبات عضوية دون الحاجة إلى أي إله.
لا يوجد ما هو خارق في انبثاق الحياة على الأرض رغم كل الهيبة التي نراها بها، نحن لا نعرف كم محاولة لبدء الحياة حصلت ولم تنجح، مركبات عضوية رُصدت في ذيول المذنبات القادمة من أعماق الفضاء حيث لا أحد يدري ماذا جري هناك، كمية المياه الهائلة التي تحصلت عليها الأرض شكلت حساء المواد العضوية، والبكتيريا الأولى تجمعت وأكلت بعضها فخلطت مورثاتها وأنتجت خلايا أكثر تعقيداً ضمن بضعة ملايين سنين أخرى تغير خلالها جو الأرض نتيجة الغازات التي انتجتها تلك البكتيريا البدائية التي تطورت وفق الغازات المتاحة، ازدادت نسبة الاكسجين في جو الأرض وبدأت لعبة الانتقاء الطبيعي وانتشر التنوع الإحيائي الرائع، هذا التنوع شهد بدوره الكثير من المحاولات الفاشلة في التطور فانقرض، بدأ الزمن يتخذ بعداً أساسياً في تطور العضويات فصارت تولد وتهرم وتموت لتعيد ذراتها وجزيئاتها إلى حيث أتت في دورة الحياة المتجددة، فالمادة لا تفنى.
وجاء داروين ثم علم الأحياء برمته ليدق المسمار الأخير في نعش فكرة الإله الخالق المبدع المصور، نحن من سلف واحد مشترك للأحياء كافة ولا شأن لآدم ولا حواء بالموضوع، كل هذه الأحياء متسلسلة وفق شجرة التطور خلال بلايين السنين وعبر أكداس من العظام في المتاحف وأدراج المختبرات والتي يمكننا وضع إحداها في عين آلهة الأديان ونحن مرتاحي الضمير.
لم يخلقك أحد متعمداً وتركيبتك العضوية ملأى بالعيوب فضلاً عن التشوهات التي يسمونها خلقية للتذكير أن الخالق لا يتقن عمله، كل الأحياء تطورت بشكل تراكمي وليس على يد مهندس بارع وثبت أنها نتيجة الانتخاب الطبيعي والزمن.
لايبدو أن هناك أي قوة واعية تسيطر وتسيّر وأياً ما كان عليه الوضع فإن الأرض تموج بالآمال والآلام بينما الكون غارق في الصمت منذ مليارات السنين.
كلما فتشتَ عن دور للإله سيتلاشى، حتى تصل إلى القول أن الله هو الذي وضع قوانين المادة واكتفى بالمتابعة من بعيد، وهذا اتهام لله بالوعي والقصد دون دليل لأن ما سوف تطلع عليه بهذا الشأن ستجده يقتضي كثير من الظروف الكيميائية والزمنية اللازم توافرها دائماً وأبداً مما ينفي أي قدرات خارقة ورائها.
لكن حتى لو قبلتَ ذلك فلابأس، فقط لاحظ أن أي مفهوم قد يتشكل لديك عن الإله وبأي معنى فإنه أبعد ما يكون عن إله الأديان الذي وُجد من العدم..الخالق المشخصن صاحب الاختبار المعروف النتيجة سلفاً و الذي يرسل كائنات مجنحة خرافية لأناس محددين خفية ليدعوا على لسانه كلاماً ثبت أنه مجرد خرافات.
اليوم السابع:عش حياتك
قد تظن أن النتائج التي توصلت إليها هي الحقيقة المطلقة بعد أن قتلتَ كل شيء بحثاً، وهذا غير صحيح، فالواقع أن الإلحاد هو بداية الطريق وحسب.
الإلحاد ببساطة هو نفي لفكرة الإله وفقاً لما تدعيه الأديان ثم نقطة على السطر، أكثر من هذا يعود لك ولما يشكله عقلك ومشاعرك من مباديء وقناعات، لا تحسب أن كل ما يقوله الملحدين صحيح بالضرورة فأنت انتهيت من تابو الدين والهيبة والتقديس ولم يعد لديك أحد أو شيء مسلم بصحته على طول الخط بل لديك فقط قاعدة واحدة اتفقت البشرية على أنها المرجع الوحيد الحاسم: العلم والمنطق.
لهذا لا تحتكر الحقيقة وتظن أنك على صواب باستمرار بل تقبل الآخر ولا تهمل أي نقطة إيمانية أو دينية تلوح لك بل تمعن فيها واعكسها على ما توصلت إليه من ثوابت لتصدر عليها حكماً موضوعياً يمكن وصفه بالصحيح، اكره الأديان إن شئت لكن لا تكره المتدينين فهم ضحايا أولى بالشفقة والمحبة وفيهم الكثيرون أصحاب فضل عليك، كن فعالاً ووفياً للبشرية بأن تساهم في التنوير حسب إمكانياتك، حاول أن تشارك من تتوقعه يتفهمك في أفكارك واكشف الخديعة لمن تراه غير ميؤوس منه،لا تتعجل النتائج فالمشوار طويل والأديان منظومات ثقافية كبرى لن تنهار بجرة قلم،واعلم أن العالم بدون أديان لن يكون مثالياً ولكنه سيكون أفضل بالتأكيد، وتكفي نظرة على بؤر الصراع وبقاع التخلف على خريطة العالم كدليل كاف.
لكن في نفس الوقت لا تجعل موضوع الدين والإلحاد هوساً دائماً فما هو إلا فطرتك كما وُلدتَ طفلاً قد عدت إليها وانطلاقاً منها يمكنك أن تواصل حياتك في كافة ما تهتم له أو يروق لك وفقاً لميولك وتخصصك ولكن متحرراً من الخرافة.
أنت الآن ذاتك ولست إمعة لأشخاص ماتوا منذ قرون، ستعيشها بأخلاقك ومبادئك، ستتفهم منبع شهواتك البيولوجي والعاطفي وستتعامل معها بما يلبيها ولكن بدون الإغراق فيها، وفي جميع الأحوال تخلصك من فكرة الجزاء والعقاب أو على الأقل شكك فيها لن يحولك مسرف ومستهتر وعديم الأخلاق كما يشاع وكما يغريك الله بعمل ذلك في الجنة بل سيعيد مراجعك إلى مدى إنسانيتك أصلاً، ولم يعد الوضع مقتصراً على الرغبة في..والرهبة من الكائن البعيد الذي يستعبدك ويرصد كل تحركاتك ويتحكم في شؤونك الشخصية.
اليوم السابع انتهى وإذا كنتَ بدأت هذه الأيام مؤمناً وطبقت ما ورد بأمانة ولم تتغير لديك أي مفاهيم فاعلم أن هذا المقال قد كُتب لغيرك، ما عدا ذلك أنت ملحد بالمعنى الواسع للكلمة وبعيداً عن التصنيفات بين ملحد ولاديني ولاأدري…إلخ، المهم أنك تحررت وصرتَ منفتحاً على كل الحقائق والأدلة ونابذاً لكل الخرافات بجميع أشكالها، وتأكد أنه لا يمكن لعاقل أن يلومك على ذلك.
سلام للعقلاء




